علي بن محمد البغدادي الماوردي

10

أدب الدنيا والدين

روى النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « العقل نور في القلب يفرق به بين الحق والباطل » وكل من نفى أن يكون العقل جوهرا أثبت محله في القلب لأن القلب محل العلوم كلها . قال اللّه تعالى : أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها فدلت هذه الآية على أمرين أحدهما أن العقل علم والثاني أن محله القلب . وفي قوله تعالى : يعقلون بها تأويلان أحدهما يعلمون بها والثاني يعتبرون بها فهذه جملة القول في العقل الغريزي . وأما العقل المكتسب فهو نتيجة العقل الغريزي وهو نهاية المعرفة وصحة السياسة وإصابة الفكرة وليس لهذا حد لأنه ينمو إن استعمل وينقص إن أهمل ونماؤه يكون بأحد وجهين إما بكثرة الاستعمال إذا لم يعارضه مانع من هوى ولا صاد من شهوة كالذي يحصل لذوي الأسنان من الحنكة « 1 » وصحة الروية « 2 » بكثرة التجارب وممارسة الأمور ولذلك حمدت العرب آراء الشيوخ حتى قال بعضهم : المشايخ أشجار الوقار « 3 » ومنابع الأخبار لا يطيش « 4 » لهم سهم ولا يسقط لهم وهم « 5 » إن رأوك في قبيح صدوك وإن أبصروك على جميل أمدوك . وقيل : عليكم بآراء الشيوخ فإنهم إن فقدوا ذكاء الطبع فقد مرت على عيونهم وجوه العبر وتصدت « 6 » لأسماعهم آثار الغير « 7 » . وقيل في منثور الحكم : من طال عمره نقصت قوة بدنه وزادت قوة عقله . وقيل فيه : لا تدع الأيام جاهلا إلا أدبته . وقال بعض الحكماء : كفى بالتجارب تأديبا وبتقلب الأيام عظة . وقال بعض البلغاء : التجربة مرآة العقل والغرة « 8 » ثمرة الجهل . وقال بعض الأدباء . كفى مخبرا

--> ( 1 ) الحنكة : بضم الحاء : استحكام العقل ، ومتانة الفكر بالتجارب . ( 2 ) الروية : الفكرة ، يقال : هو سديد الروية أي صائب الفكر . ( 3 ) الوقار : الرزانة والتمكين . ويقابله الخفة . ( 4 ) لا يطيش لهم سهم : هو كناية عن إصابة ظنونهم وفراستهم . وطاش السهم حاد عن الهدف فلم يصبه . ( 5 ) وهم : الوهم : ادراك المعنى الجزئي المتعلق بالمحسوس . أي لا يخطئون في الكليات ولا في الجزئيات . ( 6 ) تصدت : تعرضت . ( 7 ) آثار الغير : وهي حوادث الدهر . ومنه الدهر ذو غير أي ذو أحداث مغيرة . ( 8 ) الغرة : بكسر الغين وتشديد الراء : الغفلة ، أي الانخداع بالأماني الباطلة .